يمر الصادقون بفترات من الحرج الشديد، يعبرون أزمات خطيرة، تواجههم مصاعب كثيرة، يتكالب عليهم الشياطين، يُقدّمون قرابين عزيزة، لكن محال في لطف الله ورأفته وحكمته ووعده أن يُذِلُّهم، مُحال أن يتركهم لمصيرهم، ويَكِلَهُم إلى أنفسهم.
الشدَّة ليست نقيض العناية الإلهية، بل أحد تجلياتها، الصادقون لا يمتحنون لأن الله غاضب عليهم، بل لأنهم حاملون لأمانة الخلافة عنه في الأرض، وممهدون ليوم سيعم فيه العدل والقسط في أرجائها، ومن هم كذلك فلن يخذلهم الله.
لا يُضيرهم أن يوصفوا بأنّهم جماعة مسلحة، ولا يقلل من شأنهم، فقديمًا قيل في أطهر خلق الله من أنبياء ورسل وأولياء الكثير، وجَحَد الجاحدون فضلهم، وأبي الله إلا أن يُتِمَّ نورهم.
نعم، هم جماعة مُسلّحة، اجتمعوا على أشرف غاية وبذلوا فيها أغلى ما يملكون، وامتشقوا أرواحهم والسلاح، فحرّروا الأرض، وصانوا الكرامة، صدقوا في وطنيتهم، وأخلصوا في انتمائهم، وسقوا التراب دماءهم، لم يمر في تاريخ أمتهم الحديث أشرف وأنبل منهم، وسيظهر الله فظلهم ولو بعد حين.
لاحظوا التالي: زينب (ع) قالت ليزيد وهو في أكثر أيامه قوة ونشوة: فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميتُ وحينا، ولا تُدرك أمَدَنا لم تقتل: إنك لن تقتلنا، وإننا كأشخاص سنخلد في الحياة، فقتل الأشخاص يقدر عليه الطغاة، لكنهم يعجزون عن قتل المشروع.
منذ تلك اللحظة التي أعلنت زينب (ع) موقفها التاريخي هذا، جَرَت علينا حروب استئصال، قضت على اعداد هائلة من قياداتنا وعلمائنا ورجالنا ونسائنا وأطفالنا، وواجهنا ويلات ومصاعب، لكن ذكرنا لم يُمح، ووحينا لم يمت.
إن الله تعالى تكفّل بالدفاع عن مشروعه، وتعهد بحفظه، حيث قال:"يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَ هِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (التوبة: (32).
وهذا ما سيكون، فلا تيأسوا من عون الله وتسديده ولا تستعجلوا النتائج.